
يقدّم مركز المسبار للدراسات والبحوث في هذا الكتاب قراءة لسيناريوهات مستقبل إيران، في ظلّ التحولات الجيوسياسية، والداخلية، والخارجية؛ فيركز على الدور الإيراني في توظيف «عملية 7 أكتوبر»؛ ويحدد تأثيراتها الداخلية والخارجية، متناولاً مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، والممرات الاقتصادية الإقليمية الأخرى، وأثر العملية على ترتيب الحكم في إيران، وبناء التفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة.
الاستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية في الشرق الأوسط
تركّز دراسة محمد محسن أبو النور -باحث مصري متخصص في الشؤون الإيرانية، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية ـ أفايب- على سياسات إيران الخارجية في الشرق الأوسط، فتتناول استراتيجية طهران الجيوسياسية وأدواتها الصلبة والناعمة لتثبيت هذا الدور، وتأخذ بالاعتبار تغيرات العقيدتين النووية والسياسية بعد «عملية 7 أكتوبر» وسقوط النظام السوري. لقد شغلت إيران موقعًا بارزًا في القضايا السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتجاوزت ذلك الموقع وعملت على شغل مواقع أخرى في قضايا دولية عابرة للقارات مثل دعمها روسيا في الحرب الأوكرانية، وإمدادها حلفاءها في إفريقيا وأميركا اللاتينية بالدعم المالي والعسكري، محاولة التأثير في النظام الدولي الجديد، والذي لم تعد فيه الولايات المتحدة الأميركية هي القطب الأوحد.
جاءت الدراسة في أربعة مباحث: أولاً: إيران وتأثيرها في العالم العربي: العوامل التأسيسية. ثانيًا: الطبيعة الاستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية. ثالثًـا: التغيرات الجيوستراتيجية الإيرانية بعد سقوط النظام السوري. رابعًا: أدوات إيران وقوتها الصلبة والناعمة.
خلص الباحث إلى أن إيران لجأت إلى إحداث تغيير، في التوجهات الجيوستراتيجية الخاصة بها بعد «عملية 7 أكتوبر»، وسقوط النظام السوري تبعًا للتغيرات الجبرية التي تحيط بها. تعتمد إيران في سياساتها الخارجية -ليس فقط منذ نجاح الثورة الإسلامية وإزاحة الشاه محمد رضا بهلوي عن السلطة عام 1979، لكن في طول التاريخ الحديث والمعاصر- على استراتيجيات مرنة تستهدف التخلص من الأزمات التاريخية التي فرضتها عليها الجغرافيا وهي تستخدم لتحقيقها وسائل علمانية أو دينية أو مذهبية أو نفعية وفقًا للطرف الآخر الذي يتلقى السياسات. تعمل طهران في سبيل تحقيق أهدافها مستخدمة تلك الاستراتيجيات مجتمعة، أو تنحي إحداها وتستخدم واحدة أو اثنتين فقط؛ لذلك حقق النظام الإيراني نجاحًا في تشبيك علاقات وثيقة مع أنظمة سياسية مختلفة المشارب والتوجهات، ومن ذلك: علاقاته مع الأنظمة والجماعات العربية البعثية والدينية السنية والدينية الشيعية، بالرغم من تباين أيديولوجياتها واختلافها اختلافات قد تكون -في معظمها- جذرية. تؤكد الاستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية، المتعلقة بدور طهران وتأثيراتها عبر أدواتها الصلبة والناعمة في العالم العربي، أنها تعتمد على استراتيجية كبرى تقوم في جذورها على ثلاث ركائز أساسية هي: البعد القومي المنفعي، والبعد الديني الإسلامي، والبعد المذهبي الشيعي الاثني عشري، وتستخدم أدوات عسكرية واقتصادية وكذلك أدوات لا تقل تأثيرًا وفاعلية، وهي الأدوات الثقافية والإعلامية والعلمية والدبلوماسية لتحقيق الأغراض السياسية والجيوستراتيجية. مثّل سقوط النظام السوري انتكاسة كبرى لنظرية محور المقاومة أو «نظرية الطوق» الذي دشنته إيران حول إسرائيل منذ نجاح الثورة الإيرانية لعام 1979؛ إذ كان النظام السوري هو المشترك الوحيد على مستوى الدولة وليس الجماعات من دون الدول في هذا المحور، وبسقوطه تعين على النظام الإيراني وفق قدرته الغرائزية على البقاء على قيد الحياة السياسية، أن يغير من نهجه ومن سلوكه السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء. لجأت إيران -وفقًا للباحث- إلى استراتيجيات متنوعة في مرحلة ترنح النظام السوري ورحيل بشار الأسد؛ للفكاك من المعضلة السورية في هذا الظرف، ومنها استراتيجية السير على نهجين متزامنين وهما: تغيير العقيدة النووية، وتعديل فتوى المرشد بتحريم إنتاج أو استخدام السلاح النووي، جنبًا إلى جنب مع طرح مبادرات سياسية، والإعلان عن رغبة البلاد في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية. من المرجح في هذه المرحلة أن تلجأ إيران إما إلى الإبقاء على حالة الكمون النووي المتمثلة في الاستراتيجية اليابانية، بحيث تمتلك كل المعارف النووية اللازمة لإنتاج السلاح النووي من دون أن تتخذ القرار السياسي الأخير والنهائي بإنتاج مثل هذا السلاح، أو أن تصعد من حالة الردع التخيلي في مواجهة التهديدات المحتملة من خلال اتخاذ القرار السياسي، والإعلان عن أول تجربة نووية إيرانية في صحراء سمنان على سبيل المثال.
موقف إيران من مبادرة الحزام والطريق والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا
ناقشت دراسة سيروس أحمدي نوحداني -أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة تربيت مدرس (Tarbiat Modares University) – طهران- موقع إيران ودورها في «مبادرة الحزام والطريق» (BRI) الصينية، ومشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، وسلطت الضوء على الفرص والتحديات المرتبطة بهما، وتأثير هذين المشروعين في المنافسة بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وانعكاساتها الجيوسياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاءت الدراسة في سبعة مباحث: أولاً: موقع إيران في مبادرة الحزام والطريق الصينية. ثانيًا: إيران.. جسر الاتصال بين الشرق والغرب. ثالثًا: دور إيران الحيوي في تأمين الطاقة للصين. رابعًا: الاستثمار والتحديات في إطار مبادرة الحزام والطريق. خامسًا: موقع إيران ودورها في مشروع الممر الاقتصادي. سادسًا: الاقتصاد الجيوسياسي بين الهند وإيران. سابعًا: التهديدات الجيوسياسية ومنافسة القوى الغربية والشرقية.
يرى الباحث أن موقع إيران في المنافسة بين مبادرة الحزام والطريق الصينية والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يعد ذا أهمية كبيرة لعدة أسباب، كما يسعى كلا المشروعين إلى تعزيز الوصول وتسهيل التجارة بين آسيا وأوروبا، إلا أنهما يختلفان في استراتيجيات وأهداف تحقيق ذلك. تعد إيران، بوصفها جسرًا بين الشرق والغرب، نقطة حاسمة في كلا المشروعين، فموقعها الاستراتيجي على الطرق البرية والبحرية يجعلها مركزًا مهمًا للنقل في كلا المبادرتين، وتلعب الصين، بصفتها أكبر شريك تجاري لإيران، دورًا رئيسًا في تطوير مشروع الحزام والطريق، ويمكن لإيران الاستفادة من هذه الشراكة بشكل خاص في تطوير بنيتها التحتية للنقل، ومن جهة أخرى، قد تعزز العلاقات التاريخية والاقتصادية بين إيران والهند من مكانة إيران في مشروع، ما قد يؤدي إلى استثمارات هندية في قطاعات النقل والطاقة في إيران. ومع ذلك، تظل العقوبات الدولية المفروضة على إيران عائقًا رئيسًا أمام جذب الاستثمارات الأجنبية، ويمكن أن تؤثر هذه العقوبات سلبًا على مشاركة إيران في كلا المشروعين، كما أن التوترات السياسية والأمنية في المنطقة، تمثل تحديات كبيرة قد تؤثر على تنفيذ المشاريع، وفي النهاية، يعتمد نجاح إيران في كلا المشروعين بشكل كبير على تطوير بنية النقل التحتية، مثل شبكات السكك الحديدية والطرق والموانئ، كما يمكن أن يؤدي الاستثمار في هذه المجالات إلى تعزيز موقع إيران في كلا المبادرتين.
يخلص الباحث إلى أنه بإمكان إيران، من خلال تقديم الدوافع الاقتصادية، تعزيز جذب الاستثمارات في قطاعي النقل والطاقة؛ ليساعدها في أن تصبح مركزًا تجاريًا محوريًا في المنطقة، فضلًا عن ذلك فإن المشاركة في كلا المبادرتين يمكن أن تسهم في زيادة النفوذ الاقتصادي لإيران وتحويلها إلى لاعب رئيس في التجارة الدولية. ونظرًا إلى موقعها الجغرافي الفريد، تتمتع إيران بفرص كبيرة للتنافس في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية؛ ومشروع الممر الاقتصادي. وعلى الرغم من أن التحديات الاقتصادية والسياسية، وخصوصًا العقوبات، قد تؤثر على هذه الفرص، فإن إيران يمكنها الاستفادة من هذه المشاريع من خلال اعتماد استراتيجيات مناسبة وتعزيز علاقاتها مع كل من الصين والهند، وفي النهاية، يمكن لإيران تعزيز مكانتها في الخريطة السياسية والاقتصادية العالمية.
موقف إيران من تدشين ممر زنجزور: البدائل والتهديدات
ينطلق نوذر شفیعي -أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران- في دراسته من سؤال أساسي: كيف يؤثر ممر زنجزور في المصالح الوطنية الإيرانية؟
يقسم الباحث دراسته إلى خمسة مباحث: أولاً: العلاقات بين إيران وأذربيجان. ثانيًا: الحرب الثانية في قره باغ.. نقطة تحول في جنوب القوقاز. ثالثًا: إيران وتداعيات الحرب الثانية على قره باغ في إطار خطة "ممر زنجزور". رابعًا: أسباب معارضة إيران لممر زنجزور. خامسًا: البديل الإيراني.. ممر آراس عوضًا عن زنجزور.
يشير الباحث إلى أن إيران سعت دائمًا إلى الحفاظ على علاقاتها المعقدة مع أذربيجان عند مستوى مرضٍ، ومن خلال إدارة التوترات في العلاقات مع باكو، حاولت دائمًا إيجاد فرص لتعزيز التعاون، ثم تحولت أزمة قره باغ منذ البداية إلى قضية جدية في السياسة القوقازية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث وقعت من جانب دولة إسلامية ذات روابط قوية مع إيران وهي جمهورية أذربيجان، ومن جهة أخرى، وقعت كذلك مع بلد تعود روابطه التاريخية مع إيران إلى العصور القديمة، وكانت هناك اتصالات شعبية قوية بينهما، بالإضافة إلى علاقات إقليمية ودولية أكثر قربًا مع إيران وهو أرمينيا.
ومع حرب قره باغ عام 2020، ظهرت لدى بعض الفاعلين الإيرانيين توقعات بأن قضية قره باغ، قد تمثل عقبة أمام تطوير العلاقات بين إيران وجمهورية أذربيجان؛ إلا أن مجموعة من التحركات من جانب جمهورية أذربيجان، وعلى رأسها السعي لإنشاء ممر زنجزور، أثارت مخاوف جديدة لدى إيران، لا سيما مسألة تقدم القوات الأذربيجانية في بعض مناطق مقاطعة سيونيك الأرمينية، خاصة حول منطقة جرموك، وهو ما أظهر أن حكومة باكو جادة في قطع الممر الحدودي الضيق بين جمهورية إيران الإسلامية وأرمينيا، ومن جانبها، سعت جمهورية إيران الإسلامية إلى إظهار جدّيتها في الحفاظ على مقاطعة سيونيك من الاحتلال الأذربيجاني وحلفائه من خلال افتتاح قنصلية في مدينة كابان، وهي مركز محافظة سيونيك، ورفعت علمها في المدينة.
أظهرت مؤشرات مثل مراقبة الحكومات المختلفة لحرب قره باغ عام 2020، أو اللامبالاة تجاه تهجير حوالي مئة ألف من سكان قره باغ الأرمن في سبتمبر (أيلول) 2023، أن هناك إرادات دولية جادة تسعى إلى تغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة، ومن جهة أخرى، أظهرت حكومة باشينيان من خلال تبنيها مواقف متغيرة، وهي صورة توحي بأنها مستعدة لدفع أفدح التكاليف في مقابل تطبيع العلاقات مع جمهورية أذربيجان وتركيا.
وعلى الرغم من أن تطورات عام 2024 في غربي آسيا ونجاح تركيا في سوريا، وزيادة الثقة في محور «باكو أنقرة تل أبيب» في مواجهة طهران، قد عززت التكهنات حول احتمال استخدام القوة من قبل جمهورية أذربيجان بدعم من حلفائها الإقليميين والدوليين لقطع ممر سيونيك، فإن الموقف النهائي في هذا الشأن، مثلما كان الحال في جميع تقلبات هذه القضية بين 2020 و2025، سيكون مرتبطًا بمدى جدية وحسم إيران في اتخاذ قراراتها، ومن المتوقع أنه في حال استمر تلقي إشارات قوية من طهران، سيؤجل الفاعلون المعنيون تنفيذ خطة قطع الحدود بين إيران وأرمينيا إلى الوقت المناسب.
موقع الحرس الثوري المحتمل في مستقبل إيران: السياسات والتحولات
تناول عبدالكريم روستامي - باحث إيراني متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية- دور الحرس الثوري الإيراني منذ تأسيسه عام 1979 وحتى اليوم، فقد لعب دورًا مركزيًّا في السياسة الإيرانية، وأصبح من اللاعبين المؤثرين في إيران، بل وفي منطقة الشرق الأوسط. تحاول الدراسة البحث في مستقبل هذه المؤسسة؛ وفهم تأثيرها في هيكل السلطة والسياسة الداخلية والخارجية الإيرانية.
جاءت الدراسة في ستة مباحث: أولاً: الحرس الثوري.. من الأيديولوجيا إلى الاقتصاد والسياسة، وتغطي: 1- فترة الحرب والتحول الأمني (1980-1988)، 2- فترة ما بعد الحرب الإيرانية- العراقية والتحول الاقتصادي ، 3- فترة الإصلاحات والتحول السياسي 1997، ثانيًا: مستقبل الحرس الثوري والسياسات الداخلية. ثالثًا: تحديات الحرس الثوري المحتملة في ترتيبات خلافة القيادة. رابعًا: أفضليات الحرس الثوري المحتملة في خلافة القيادة. خامسًا: العلاقة بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية الشيعية. سادسًا: الحرس الثوري والسياسة الخارجية لإيران.
يرى الباحث أن الحرس الثوري الإيراني سوف يلعب دورًا محوريًّا في مستقبل إيران، خصوصًا في مسألة تسمية المرشد الثالث المحتمل الذي سيخلف خامنئي، كما أنه من الصعوبة بمكان أن يتنازل عن مكتسباته السياسية والاقتصادية في أي عملية انتقال للسلطة، أيًّا كان شكلها في المستقبل القريب للبلاد. لقد تحول الحرس الثوري الإيراني، على مدار أربعة عقود، من كونه مؤسسة عسكرية ثورية، إلى فاعل متعدد الأبعاد، ففي الوقت الحاضر، بالإضافة إلى مهامه العسكرية والأمنية، أصبح لهذه المؤسسة نفوذ كبير في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقد شهد هذا التوسع تسارعًا خاصًا بعد فوز الإصلاحيين في انتخابات 1997، ما أدى إلى إضعاف دور المؤسسات الحكومية والتنفيذية، بحيث أصبح الحرس الثوري في العديد من القرارات الكبرى بديلًا للمؤسسات الرسمية، مسرعًا عملية إضعاف دور الدولة.
يلاحظ الباحث أن هذه الخصائص أدت إلى حتمية أن يكون الحرس الثوري هو اللاعب الرئيس في عملية انتقال السلطة بعد خامنئي، ما يضفي عليه دورًا حاسمًا في تشكيل الهيكل السياسي لإيران في المستقبل، ومن خلال التأثير على عملية اختيار القائد المقبل، سيعمل الحرس الثوري على تثبيت مكانته كأهم مؤسسة داعمة للسلطة في الجمهورية الإسلامية، وضمان أن تبقى السياسات الكبرى للبلاد، خاصة في المجالات الأمنية والإقليمية، متوافقة مع مصالحه، ومع ذلك، ترافق هذه المشاركة تحديات مثل الخلافات الداخلية داخل الحرس الثوري وضغوط اجتماعية عليه.
أصبح الحرس الثوري لامتلاكه مشاريع وطنية ضخمة من خلال مؤسسات مثل «مقر خاتم الأنبياء» وغيرها من الشركات التابعة، أحد أكبر الفاعلين الاقتصاديين في إيران، وهذه المصالح الاقتصادية لا تساعد فقط في تأمين الموارد المالية لهذه المؤسسة، بل أصبحت أيضًا أداة لتعزيز النفوذ السياسي والسيطرة على السياسات الكبرى في البلاد، وفي الوقت الحالي، يستخدم الحرس الثوري الاقتصاد كرافعة لتعزيز دوره الإقليمي وتثبيت موقعه داخليًا، وبالتالي، أصبحت المصالح الاقتصادية جزءًا من الاستراتيجية الكبرى للحرس الثوري لإدارة مستقبل الجمهورية الإسلامية.
من المحتمل أن يحظى الحرس الثوري بعد خامنئي –كما تؤكد الدراسة- بدور حاسم في تحديد التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية، وبالنظر إلى الدور العابر للدولة الذي يلعبه هذا الكيان، فمن المرجح أن يعيد الحرس الثوري تعريف خارطة طريق السياسة الخارجية الإيرانية بناءً على مصالحه، مع التركيز على توسيع النفوذ الإقليمي، كما أن التحدي الرئيس يكمن في إدارة التوترات بين الضرورات الاقتصادية والضغوط الداخلية من جهة، وبين النهج الأمني الذي يتبعه الحرس الثوري من جهة أخرى، وإذا تمكن الحرس الثوري من التكيف مع الضرورات الجديدة والتحول نحو الدبلوماسية الاقتصادية، فإن السياسة الخارجية لإيران قد تتجه نحو البراغماتية الاستراتيجية، أما إذا فشل في ذلك، فقد تؤدي هيمنته إلى دفع إيران نحو مسارات أكثر توترًا وعزلة دولية.
يخلص الباحث إلى أن الحرس الثوري الإيراني قد يتبع نموذج الحزب الشيوعي الصيني، مع خصائص إيرانية والحفاظ على مكانة الولي الفقيه، التي ستكون مجرد مكانة رمزية لا صلاحيات لها، وفي هذا النموذج، سيستحوذ الحرس الثوري تدريجيًا على السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية للبلاد بشكل كامل، ليصبح مؤسسة مركزية لإدارة الدولة، بينما يبقى الولي الفقيه رمزًا للشرعية والأيديولوجيا للنظام. ولعل هذا المسار من شأنه أن يمكن الحرس الثوري من اتخاذ نهج أكثر براغماتية وتركزًا في إدارة إيران، بينما يحافظ على الطابع الديني للنظام.
مجتبى خامنئي.. نجل المرشد الأعلى الإيراني وخليفته المحتمل
يتناول حسين علي زادة -أستاذ جامعي وباحث في الشؤون السیاسیة والعلاقات الدولیة- احتمال أن يكون مجتبى خامنئي المرشد الثالث في إيران.
ويقسم دراسته إلى ستة مباحث: أولاً: الفارق بين عائلتي خامنئي ورفسنجاني. ثانيًا: مجتبی خامنئي.. اسم معروف وشخصية مجهولة. ثالثًا: مجتبى ومسألة القيادة. رابعًا: الوجه الخفي لمجتبى.. منفذ السياسات الأبرز. خامسًا: كتيبة "حبيب" وغرفة الفكر والعمليات. سادسًا: مجتبى ومحاولة التشبه بمحمد بن سلمان.
يلاحظ الباحث أنه على الرغم من كل المديح الذي يوجه لمجتبى خامنئي، فإن مؤيديه جميعًا هم من المقربين له في حلقة السلطة، أما من خارج هذه الدائرة، فإن هناك عددًا كبيرًا من الشخصيات التي أبدت اعتراضات علنية وسرية على فكرة خلافته، ومن المحتمل أن يكون من بين أسباب إقالة أحمد خاتمي (عضو مجلس خبراء القيادة) وسيد هاشم حسيني بوشهري (نائب رئيس مجلس الخبراء) معارضتهم لخلافة مجتبى. ويذكر أن من بين المرشحين المحتملين، هناك شخصيات مثل حسن الخميني، وصادق لاريجاني، اللذين تم تشويه سمعتهما تدريجيًا ليتم استبعادهما كخيار محتمل لتولي منصب المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية. إضافة إلى المعارضة الموجودة حتى داخل حلقة السلطة، فإن المجتمع -بشكل عام- لا يبدو مستعدًا لقبول مجتبى، ما يجعل بعض الأسماء الأخرى مثل آية الله علي رضا أعرافي مدير الحوزات العلمية في البلاد، وعضو مجلس صيانة الدستور، ونائب رئيس مجلس الخبراء، تبرز كخيار محتمل لشغل هذا المنصب المهم.
المصاهرات السياسية في إيران.. الأبعاد والتداعیات
تسلط منى سيلاوي -باحثة إيرانية- الضوء على كيفية تأثير العلاقات الأسرية الإيرانية في العمليات الحكومية وصناعة القرار الوطني، وسعت في دراستها إلى فهم هيكل السلطة الإيرانية وعلاقته بالمصاهرات السياسية وقراءة تداعياتها. تحاول الباحثة الإجابة عن أسئلة عدة بينها: ما التداعيات المترتبة على المصاهرات السياسية وأثرها في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إيران؟ وما أبرز الأمثلة المحددة للزيجات السياسية والتحديات الناجمة عن مفهوم «الأسرية»؟
قسمت الباحثة دراستها إلى ستة مباحث: أولاً: المصاهرات السياسية في تاريخ إيران المعاصر. ثانيًا: ظاهرة الأسر الحاكمة في إيران. ثالثًا: الزواج بين عائلات رجال الدين. رابعًا: دور صُهراء رؤساء الجمهورية في السياسة. خامسًا: الزيجات العابرة للحدود في إيران. سادسًا: التداعيات المترتبة على ظاهرة المصاهرات السياسية.
ترى الباحثة أن النظام العائلي، في إيران، يعد ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد في هيكل البلاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولقد أدى هذا النظام إلى تشكيل شبكات قوى عائلية داخل النظام الإسلامي، وكان له تأثيرات كبيرة على العلاقات الداخلية والدولية للبلاد، ومع ذلك، يواجه النظام العائلي تحديات متعددة، من بينها الفساد الاقتصادي، وتجاهل مبدأ الجدارة، وعدم كفاءة الأنظمة الحكومية، وبشكل عام، يُستخدم النظام العائلي في إيران ليس فقط كأداة لتثبيت السلطة والعلاقات الداخلية، بل أيضًا له تأثير على السياسة الخارجية ويُستخدم كأحد العوامل الأساسية في العلاقات بين إيران والدول المتحالفة في المنطقة وخارجها.
ونظرًا للتأثيرات السلبية التي يتركها النظام العائلي على التنمية بالبلاد، تحتاج إيران بشدة إلى إصلاحات أساسية في النظام الحكومي وتعزيز مبدأ الجدارة، كأحد المبادئ الأساسية في الإدارة الحكومية؛ من أجل تطوير البلاد وتقدمها، خاصة أن النظام العائلي في إيران أنشأ شبكة معقدة تتكون من الزيجات العائلية وعلاقات القوة، ما أدى فعلًا إلى تركيز السلطة في يد مجموعة صغيرة من الأفراد، وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة «الأسرية»، أو ظاهرة المصاهرات السياسية، تبدو فعّالة من وجهة نظر البعض، فإنها تتناقض مع مبادئ الجدارة والتنمية المدنية.
الدور السياسي للحوزة الدينية في مستقبل إيران
تتناول شبنم دادبرور -باحثة وأكاديمية إيرانية في جامعة تيانشوي الصينية- دور الحوزات العلمية في التاريخ السياسي والاجتماعي لإيران، الذي شهد تحولًا كبيرًا بعد الثورة الإيرانية ودخول رجال الدين إلى الحكم، ففي مرحلة ما قبل ثورة 1979، قادت الحوزات الحركات السياسية الاحتجاجية، بينما تغير هذا الدور بعد الثورة، فأصبح دوره تهيئة وتخريج المسؤولين الحكوميين من رجال الدين، وفي ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة، تغيرت علاقة المجتمع الإيراني بالدين، ما انعكس على أدوار رجال الدين والحوزات في الساحة السياسية والاجتماعية، وهذا ما ستعرضه هذه الدراسة، بالتركيز على دور هذه الحوزات في مستقبل إيران.
جاءت الدراسة في أربعة مباحث: أولاً: الدور السياسي للحوزات في ثورة 1979 وتشكيل النظام. ثانيًا: الدور السياسي للحوزات في عهد الخميني. ثالثًا: الدور السياسي للحوزات في عهد خامنئي. رابعًا: الدور السياسي المحتمل للحوزات في مستقبل إيران.
تلاحظ الباحثة أن التواصل مع الحوزات العلمية وتأثير رجال الدين، قد تقلص بالنسبة لبعض فئات المجتمع الإيراني، مثل الطبقة الوسطى والشباب والنساء، لكن الحوزات ما زالت تمثل دور الحارس الأساسي للمذهب الشيعي في إيران. وعلى الرغم من الاختلافات الفقهية والنظرية، فإن هذه الحوزات تدعم النظام الراهن القائم على نظرية ولاية الفقيه، ومن المستبعد أن يتغير دورها المستقبلي في هذا الإطار، كما تفترض الدراسة.
ترى الباحثة أنه على الرغم من وجود اختلافات فقهية ونظرية بين رجال الدين بعضهم البعض داخل الحوزة، إلا أنه في حالة الجمهورية الإسلامية، لم تقم الحوزة إلا بالدعم والمساندة، كما أن القليل من رجال الدين الذين يعبرون عن انتقادات علنية ضد الجمهورية الإسلامية، إما ليس لهم وزن علمي كبير، أو أنهم ضمن الأقلية المطلقة ولا يوجد لهم دعم بين الطلاب والأساتذة الآخرين في الحوزات الكبرى، والسبب في ذلك -بطبيعة الحال- هو أن الجمهورية الإسلامية هي نتاج الفقه السياسي الذي تمت تنشئته في الحوزة على مدى عقود، بينما لا تزال الجماعات التي لا تؤمن بهذه النظرية السياسية صامتة في الحوزات وتظل في الظل. لهذا السبب، يتمحور دور الحوزات في السياسة الإيرانية فقط حول الوجود في السلطة. ففيما مضى كان للحوزات دور محدود جدًّا في الحركات السياسية والاجتماعية في العقدين الماضيين في إيران، حيث فقد رجال الدين مكانتهم القيادية بالنسبة للطبقة الوسطى، والطلاب، والنساء، والشبان، الذين كانوا يشكلون القوة الفاعلة في هذه الحركات، كما كانت التحولات في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الإيراني مؤثرة جدًّا في هذا التحول، وأخيرًا أصبحت العلاقات الدينية والتقليدية في المجتمع الإيراني أضعف، وأصبح المجتمع يميل بشكل أكبر نحو العلمانية، والتغريب، والحرية الفردية، والعلمانية الدينية؛ لذلك، يمكن القول في النهاية: إنه من غير المحتمل أن تلعب الحوزات أي دور في أي تحول مستقبلي في السياسة الإيرانية، إلا في الدعم الحصري لنظام الجمهورية الإسلامية.
دور المرأة في مستقبل إيران السياسي.. سيناريوهات مرحلة الولي الفقيه الثالث
رصدت سعيدة تراب -باحثة إيرانية في جامعة طهران- أحوال المرأة في إيران وقضيتها منذ العهد البهلوي حتى عام 2025، وطرحت سيناريوهات مستقبلية محتملة؛ لما يمكن أن تكون عليه حالها، من مشاركتها في المجالين السياسي والاجتماعي، ضمن إطار أي نظام محتمل في مرحلة ما بعد الولي الفقيه الثاني، بما في ذلك احتمال صعود نجل المرشد، مجتبى خامنئي، إلى منصب الولي الفقيه الثالث، أو تراجع البلاد عن فكرة ولاية الفقيه، أو الاحتفاظ بها بتعديلات دستورية، تحد من صلاحياته المطلقة في تحديد السياستين الداخلية والخارجية للبلاد؛ لفتت إلى أنه من المؤكد أن المرأة ستكون رقمًا صعبًا في كل تلك الاحتمالات، بناء على موقعها السابق والحالي، كمحرك أساسي للظواهر الاجتماعية والسياسية في السنوات الأخيرة.
قسمت الباحثة الدراسة إلى سبعة مباحث: أولاً: حقوق المرأة بين النظام البهلوي ونظام الجمهورية الإسلامية. ثانيًا: المرأة وتعقيدات مسألة الحجاب في إيران. ثالثًا: قضية الحجاب وأبعادها في إيران. رابعًا: أدوار المرأة في إيران. خامسًا: التقاليد المستحدثة ضد المرأة في النظام الإيراني. سادسًا: المرأة ومستقبل السياسة الإيرانية بعد خامنئي. سابعًا: المرأة وقضية الخلافة والقيادة المستقبلية في إيران.
أكدت الباحثة أن أي نظام في إيران؛ في مرحلة ما بعد خامنئي، لن يوفر للنساء وحركتهن بيئة تختلف كثيرًا عمّا كان عليه الحال من قبل؛ إذ إن البيئة السياسية المفتوحة التي يتحدث البعض عن احتمالها لن تكون مؤثرة كثيرًا في تحقيق آمال النساء في المساواة؛ لأن الأسس والجذور ستظل كما هي، دون تغيير، كما أن الهالة المحتملة من الإصلاحات التي من الممكن أن تساعد النساء الإيرانيات في الحصول على حقوقهن الأساسية ليست كافية، بل ستصبح عائقًا مؤقتًا أمام حركة النساء في إيران، ما يبطئها أو يوقفها، وعلاوة على ذلك، في وسط تعدد الأزمات والمشاكل، قد يتم تهميش قضايا النساء بحيث تصبح أمورًا ثانوية، ويتم اعتبار أي محاولة من النساء لرفع صوتهن من أجل العدالة بمثابة طمع أو استغلال للفرص، ولذلك، أعتقد أن الطريق إلى حرية النساء والمساواة في إيران لا بد أن يمر عبر نظام علماني وديمقراطي، فالجذور العميقة للنظام الأبوي والمعادي للنساء ضخمة لدرجة أن الإصلاحات لن تكون كافية.
رأت الباحثة أن التغييرات السطحية والرمزية، مثل التعيينات الحكومية الأخيرة من قبل رئيس الجمهورية مسعود بزشکیان ليست كافية؛ لأن هذه العروض والدعاية تجري بالتوازي مع بقاء القوانين التمييزية، وغير الإنسانية ضد النساء كما هي. كما أن أقل حقوق النساء في إيران يتم تجاهلها بشكل دقيق استنادًا إلى نص القانون، وبموجب التبريرات الأيديولوجية والفقهية القوية، فإن أي محاولة للتغيير في هذا المجال تعتبر معارضة لشريعة الله وتهديدًا للأمن الوطني، وبالتالي، لن تظل النساء في المستقبل السياسي الإيراني بعيدات عن السياسة فحسب، بل سيتم حصر أدوارهن في الأطر الرجعية والمعادية للنساء كما كانت الحال في السابق، والنتيجة النهائية هي أن الإصلاحات والاستمرار في هذا الطريق لا يكفي، بينما التغيير لصالح نظام ديمقراطي هو الحل الوحيد.
إيران ما بعد خامنئي.. طموحات الشعوب غير الفارسية في ضوء التحولات
يستشرف عارف نصر -باحث متخصص في الشؤون الإيرانية- مستقبل إيران في ظل احتمال انهيار نظام الجمهورية الإسلامية، ويركز على الأدوار المحورية التي يمكن أن تلعبها الشعوب غير الفارسية في عملية الانتقال السياسي القادم. تتناول الدراسة الأزمات العميقة التي تواجه إيران داخليًا وإقليميًا، فتعرض استنزاف النظام بسبب تصاعد الصراع مع إسرائيل، وتراجع فاعلية أدواته التقليدية مثل: الميليشيات المسلحة، والصواريخ الباليستية، بوصفهما وسائل للردع الدفاعي والهجومي.
تسلط الدراسة الضوء على الغموض الذي يكتنف الملف النووي الإيراني وانعكاساته على مكانة إيران الإقليمية. إن تداخل الضغوط الداخلية والخارجية يجعل سقوط النظام الحالي احتمالًا مرجحًا، إلا أن عملية الانتقال السياسي قد تتبع أنماطًا تاريخية عرفتها إيران من قبل. تعرض الدراسة وتحلل أهم السيناريوهات المحتملة لهذه التحولات ومدى قابليتها للتحقق، مع التركيز على تأثيرها في بنية الدولة وموقفها تجاه قضايا الشعوب غير الفارسية، مما يفتح الباب لتصور أكثر شمولية وتوازنًا لمستقبل إيران.
يقسم الباحث دراسته إلى ثلاثة مباحث: أولاً: خريطة التنوع القومي في إيران. ثانيًا: إيران وتحديات التنوع القومي والديني. ثالثًا: مستقبل الشعوب غير الفارسية والتجارب التاريخية.
يرى الباحث أن في ظل التحديات الراهنة التي تواجه النظام الإيراني، يبدو أن انهياره بات مسألة وقت. يُظهر تحليل الوضع الراهن أن النظام أمام مفترق طرق حاسم: إما تبني إصلاحات جذرية تشمل الاعتراف بحقوق الشعوب غير الفارسية، وإعادة توزيع الموارد بشكل عادل، وهو احتمال يبدو بعيد المنال بالنظر إلى الطبيعة السلطوية للنظام، أو مواجهة السقوط المحتوم. تاريخيًّا، تؤكد التجارب أن الأنظمة التي تعتمد على القمع والتهميش، وتفشل في التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، تنتهي بالسقوط. مع ذلك، فإن المعطيات الحالية تُبرز مخاوف جوهرية قد تُهدد نضالات الشعوب غير الفارسية، كما حدث بعد ثورة عام 1979، خصوصًا في ظل غياب برنامج عمل موحد وشامل، يحدد الأهداف والآليات لتحقيق مطالبها في ظل التغيرات المقبلة.
ونظرًا إلى طبيعة القوى الداخلية المحتملة لإحداث التغيير، مثل: أجنحة من المخابرات، الحرس الثوري، أو الجيش، فإن مركزية السلطة التي تستمد منها هذه المؤسسات شرعيتها، تشكل عائقًا أمام المطالبة بالاستقلال الكامل. هذه المطالبة قد تُواجه بردود فعل عنيفة مدعومة بغطاء دولي، مما قد يؤدي إلى قمع شديد أو إحباط الحركات التحررية. هنا، تظهر أهمية الفيدرالية كخيار استراتيجي وواقعي يحقق للشعوب غير الفارسية طموحاتها ضمن إطار سياسي يحافظ على وحدة الدولة، مع تقليل احتمالات الصدام مع القوى المركزية التي تخشى تفكك الدولة أو تراجع نفوذها.
يتماشى هذا الخيار –كما يؤكد الباحث- مع المخاوف الإقليمية بشأن استقرار الشرق الأوسط؛ إذ إن أي اضطراب داخلي طويل الأمد في إيران قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية أوسع، بما في ذلك تأثيرات على أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد التوترات بين القوى الإقليمية والدولية. بناءً على ذلك، يرى العديد من الخبراء الذين اطلع الباحث على آرائهم أثناء إعداد هذه الدراسة، أن على الشعوب غير الفارسية التعامل بحذر شديد مع هذا الوضع. كما يجب عليها بناء حركات داخلية قوية ومستقلة تستفيد من نقاط ضعف النظام المركزي، مع تجنب الوقوع في فخ التبعية للقوى الخارجية. كما أن عليها تطوير رؤية واضحة وشاملة تضمن تحقيق مصالحها وتجنب تكرار سيناريوهات الاستغلال السابقة.
على الرغم من أن حجم الاختراقات الاستخباراتية الكبيرة التي يعاني منها النظام الإيراني يمثل فرصة غير مسبوقة لإحداث تغيير جذري، فإنه يحمل أخطارًا جمة إذا لم تتم إدارة هذه الفرصة بحكمة ووعي. إن نجاح الشعوب غير الفارسية في تحقيق تطلعاتها يعتمد على قدرتها على الاستفادة من نقاط ضعف النظام، والعمل ضمن إطار استراتيجي يحقق التوازن بين الاستقرار الداخلي ومتطلبات التغيير السياسي، بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
الاقتصاد السياسي الإيراني.. بين العقوبات الأميركية والأزمات الجيوسياسية الإقليمية
تناولت ويدا ياقوتي -أستاذة زائرة في كلية الحقوق والعلوم السياسية- جامعة طهران- أوضاع الاقتصاد السياسي الإيراني، في سياق عقوبات الولايات المتحدة الأميركية، والتوترات الجيوسياسية الإقليمية خصوصًا الصراع الإيراني -الإسرائيلي، حيث ترصد الدور الرئيس للتجار والأسواق التجارية في تشكيل الاستراتيجيات الاقتصادية والتجارية للبلاد، في ظل العقوبات الشديدة والتنافس الإقليمي المعقد، والدور البارز للتجار الإيرانيين باعتبارهم الجهات الفاعلة في مواجهة التحديات الاقتصادية.
قسمت الباحثة دراستها إلى تسعة مباحث: أولاً: مدخل نظري إلى فهم الاقتصاد السياسي. ثانيًا: العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني: الأهداف والأدوات والآثار. ثالثًا: أثر العقوبات الاقتصادية على التغيرات الهيكلية للاقتصاد الداخلي. رابعًا: التوترات الجيوسياسية الإقليمية وتأثيرها في الاقتصاد الإيراني. خامسًا: دور العقوبات في تعميق التنافس الإقليمي. سادسًا: التفاعل بين الجغرافيا السياسية والسياسة التجارية لإيران. سابعًا: العلاقات التجارية البديلة في ضوء العقوبات والأزمات الإقليمية. ثامنًا: دور التجار والأسواق في بنيان الاقتصاد الإيراني. تاسعًا: رؤية مستقبلية واقتراحات.
خلصت الدراسة إلى أهمية التكيف الاقتصادي والاستراتيجيات التكيفية للتجار الإيرانيين في ظل العقوبات والتوترات الإقليمية، ويُعد التجار كهيئات رئيسة في الاقتصاد الإيراني، عوامل تحفيز للتحولات الهيكلية في السوق المحلية، ويمكنهم إيجاد إمكانيات جديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية، من خلال الروابط التجارية البديلة واستغلال الأسواق غير الرسمية، وفي هذا السياق، جعلت عقوبات الولايات المتحدة والتوترات الجيوسياسية الإقليمية، خصوصًا المواجهة مع إسرائيل، التفاعلات الاقتصادية والسياسية الإيرانية أكثر تعقيدًا.
أوصت الدراسة بأن تعزز إيران قدراتها الداخلية، خاصة من خلال دعم القطاع الخاص وتوسيع العلاقات التجارية مع الشركاء غير الغربيين؛ لتجاوز نقاط الضعف الاقتصادية وتطوير خارطة طريق واضحة لاستدامة الاقتصاد والتفاعلات العالمية، بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيز على السياسات الذكية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، يمكن أن يُمهد الطريق لزيادة النفوذ الاقتصادي والسياسي لإيران في المنطقة والعالم، وتتضمن الاستراتيجيات المقترحة تنويع الاقتصاد، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وإصلاح البنية الداخلية، كعناصر أساسية في السياسة الاقتصادية، علاوة على ذلك، كان التأكيد على دور التجار والأسواق في خلق التفاعلات الدولية، أحد النقاط الرئيسة لهذه الدراسة.
مستقبل العلاقات الإيرانية -الأميركية في ولاية ترمب الثانية
تناول أمین برتو -باحث إيراني في مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية- طهران- العلاقات الإيرانية -الأميركية بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لولاية ثانية 2024، فركز على أبرز التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه هذه العلاقات، يتقدمها الملف النووي، وتوجه الإدارة الأميركية الجديدة نحو التصعيد؛ يأتي ذلك بعد فوز الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان، في الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2024.
قسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث: أولاً: التحدي الصعب لبزشكيان في السياسة الخارجية. ثانيًا: ترمب ولغز إيران. ثالثًا: تحديات التوصل لاتفاق بزشكيان وترمب.
يرى الباحث أن وصول مسعود بزشكيان إلى رئاسة الجمهورية، كان يعني لبعض الناس داخل إيران إمكانية تكرار تجربة محمد خاتمي وحسن روحاني، وبالتالي إحداث تغيير في السياسة الخارجية لإيران، ولكن لم يكن هناك استقبال لرئاسة بزشكيان، من قبل أوروبا والولايات المتحدة، وربما يكون السبب الرئيس في ذلك هو أن الولايات المتحدة ودول أوروبا لم يعودوا يعتقدون أن منصب رئيس الجمهورية في إيران له أهمية كبيرة؛ بل يرون أن القوة الحقيقية تكمن في مكان آخر، أي في القيادة العليا.
وبينما كان من الممكن أن يتم التوصل إلى اتّفاق بين بزشكيان وإدارة الديمقراطيين بقيادة هاريس، فإن فوز دونالد ترمب جعل التوصل إلى اتفاق أمرًا أكثر صعوبة؛ إذ يواجه كل من بزشكيان وترمب إرثًا غير مرغوب فيه ويقودهما نحو انفجار محتمل في العلاقات بين إيران وأميركا، كما أن المشكلة بين إيران وأميركا، أو بمعنى آخر، بين بزشكيان وترمب، ليست فقط بسبب إسرائيل واللوبي اليهودي في أميركا أو حلفاء ترمب في البيت الأبيض الذين يعارضون إيران، بل إن المشكلات والأزمات، بين إيران وأميركا، قد تراكمت وتشابكت لدرجة أنه من غير المرجح أن يتم تجنب تصاعد التوترات من خلال تسوية قصيرة المدى أو محدودة، وحتى إذا قدمت إيران بعض التنازلات، وأظهرت بعض المرونة، فيما يتعلق بعدم التفاوض مع «قاتل سليماني» أو تصريح قائد إيران بأن «لن نتفاوض مع ترمب»، فإن مطالب أميركا من إيران واسعة جدًا، لدرجة أن التوصل إلى اتفاق سيكون أمرًا صعبًا للغاية ويبدو بعيد المنال.
تأتي كل هذه الأمور –كما يلاحظ الباحث- في وقت اقترب معه موعد انتهاء العمل بآلية الزناد، ما يزيد من حساسية الوضع في الاختيار بين تفعيلها وعودة جميع العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن، أو مرور إيران بسلام من هذا التحدي بدءًا من 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ولا شك أن دخول ترمب إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض سيؤدي إلى تقسيم ثلاثي بين أميركا وأوروبا وإسرائيل، وستسعى أميركا من خلال تطبيق أقصى الضغوط إلى تدمير اقتصاد إيران، بينما ستعمل أوروبا على وضع إيران في موقف سياسي صعب من خلال تفعيل آلية الزناد في مجلس الأمن، وأخيرًا ستقوم إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية أو عمليات سرية لتقويض البرنامج النووي الإيراني، وأخيرًا من الواضح أنه في مثل هذا الوضع، فإن فرصة وجود أي اتفاق بين بزشكيان وترمب تبدو ضئيلة للغاية.