Advertisement Banner

دراسات

مجموع دراسات : 290
...

توظيف الحيوانات في الإرهاب: ديناميات التطويع وحدود الاستجابة الأمنية

توظيف الحيوانات في الإرهاب: ديناميات التطويع وحدود الاستجابة الأمنية

على الرغم من ارتباط فكرة الإرهاب بالمواجهات المباشرة، عبر استخدام الأسلحة النارية التقليدية، إلا أن هناك بعض الجماعات التي تسعى لتطويع عناصر الطبيعة، بما فيها الحيوانات والطيور كأدوات فاعلة في أنشطتها الإرهابية. ويكشف هذا التوجه عن عقلية التنظيمات الجهادية التي تسعى للبحث عن موارد رخيصة، يسهل توظيفها ويصعب رصدها أمنيًّا، والأهم من ذلك ما تحمله هذه الممارسات من دلالات رمزية، فهي تبرز استعداد تلك الجماعات لتجاوز كل الحدود في سبيل تحقيق أهدافها.

ومن هنا؛ يصبح تحليل هذه الظاهرة ضرورة لفهم أعمق لآليات الابتكار الإرهابي، وتأثيراته على استقرار الدول، وعلى الأنظمة الأمنية التي تجد نفسها مضطرة لإعادة صياغة استراتيجياتها، لمواجهة تهديدات تتجاوز الإنسان لتشمل البيئة الطبيعية ذاتها، وعليه يتناول التحليل أسباب تطويع الجماعات الإرهابية للحيوانات في أنشطتها، إلى جانب استيضاح دلالات هذا السلوك، والكشف عن نتائجه، واستشراف أبرز السيناريوهات في حال استمر من دون ضبط أمني.

أولًا: دوافع استغلال الحيوانات في العمليات الإرهابية

برزت خلال السنوات الأخيرة أنماط غير تقليدية للظاهرة الإرهابية، حيث لجأت بعض الجماعات إلى استغلال الحيوانات والطيور في أنشطتها، فيما يكشف هذا الاستغلال عن عقلية تبحث عن الثغرات الأمنية التي تعجز التكنولوجيا المتقدمة عن رصدها، وعليه نستعرض في هذا المحور أبرز دوافع اللجوء إلى الحيوانات والطيور لتنفيذ بعض العمليات الإرهابية، وهو ما يمكن استيضاحه على النحو التالي:

  1. التكلفة المنخفضة: غالبًا ما تتمركز الجماعات الجهادية في بيئات فقيرة أو مناطق نزاع، ما يعني محدودية الموارد العسكرية المتطورة، في المقابل تمثل الحيوانات والطيور وسيلة مُتاحة ورخيصة، يمكن استخدامها من دون الحاجة إلى تقنيات معقدة أو تمويل كبير، ما يجعلها خيارًا عمليًّا في بعض الحالات، لا سيما إذا كان الهدف من العملية إحداث ضرر سريع أو رمزي، فعلى سبيل المثال؛ نجد أنه خلال الفترة من (2013-2017)، اتسع استخدام داعش للحيوانات المفخخة في عملياته بالعراق، حيث وثَّقت تقارير أمنية محاولات استخدام الحمير المفخخة، وتوجيهها إلى نقاط تفتيش أو تجمعات عسكرية، كما كشفت تقارير عن محاولات لعناصر التنظيم تثبيت متفجرات صغيرة بطيور البوم، وإرسالها إلى مناطق تمركز الجيش العراقي[1]، فيما يُظهر هذا السلوك قدرة الجماعات على توظيف أبسط الموارد لتحقيق أهدافها.
  2. صعوبة الاكتشاف الأمني: تركِّز الأجهزة الأمنية غالبًا على مراقبة الأشخاص والمركبات والحقائب، فيما لا يثير مرور حيوان أو طائر في منطقة معينة درجة الشك نفسها، وهو ما نجحت بعض الجماعات في استغلاله، فعلى سبيل المثال ذكرت صحيفة ذا صن البريطانية، أن تنظيم القاعدة في اليمن، لجأ إلى استخدام الحمير في تنفيذ بعض عملياته التفجيرية، كما كشف الباحث مارتن زابل، المتخصص في دراسات التطرف والإسلاميات، أن تنظيم القاعدة بثّ صورًا له في 2019، تحت عنوان «معارك الغبار»، وتظهر الصور مقاتلين، وهم يثبتون عبوة ناسفة على ظهر حمار قبل دفعه نحو نقطة تفتيش لتفجيره[2]، وعلى الصعيد ذاته كشفت تقارير عدة، عن محاولات في أفغانستان لاستخدام الكلاب المفخخة ضد القوات الأمريكية، وقد نجحت تلك العمليات في بعض الأحيان، مما يعكس إدراك الجماعات لأهمية عنصر المفاجأة والتمويه في عملياتها.
  3. إحداث أثر نفسي مضاعف: يضفي استخدام الحيوانات في أعمال العنف بعدًا نفسيًّا مضاعفًا، حيث يكشف استعداد الجماعات لتجاوز كل الحدود الأخلاقية، ويُعتبر بمثابة رسالة رمزية للخصوم، مفادها أنها قادرة على تحويل أي عنصر في البيئة إلى أداة قتل، فيما يُصنّف هذا الاستخدام ضمن الإرهاب الغذائي، حيث يتم استغلال الحيوانات، لا سيما الماشية، سواء في العمليات الإرهابية، أو عبر نشر الأمراض، بما يحقِّق هدفين متداخلين، هما: تصعيد النشاط العملياتي من جهة، وضرب البنية الاقتصادية من جهة أخرى. ونظرًا لأن الحيوانات تمثّل جزءًا رئيسيًّا من الثروة الغذائية للدول، فإن ضربها يعني ضرب الأمن الغذائي، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
  4. البعد البيولوجي: أشارت تقارير (Nuclear Threat Initiative) إلى أن بعض الجماعات فكّرت في استخدام الحيوانات، كناقلات لأمراض أو مواد بيولوجية، وهو ما يدخل تحت تعريف الإرهاب البيولوجي. والفكرة هنا أن الحيوان يمكن أن يكون وسيلة لنشر مرض معدٍ، أو مادة سامة، فيما ترى تلك الجماعات في الأسلحة البيولوجية خيارًا جذابًا، بسبب رخصها وصعوبة اكتشافها، مقارنة بالأسلحة التقليدية[3].
  5. الرمزية الإعلامية: تسعى الجماعات الإرهابية إلى جذب الانتباه، ومن شأن استخدام الحيوانات في عملياتها منحها مادة قابلة للتغطية الإعلامية السريعة، إلى جانب إظهارهم كجماعة مبتكرة، قادرة على تحويل أبسط الموارد إلى أدوات حرب، وهو ما يعزِّز صورتها أمام أنصارها[4]، لذا نجد في أحيان عدة أن الهدف من توظيف الحيوانات ليس عسكريًّا فقط، بل دعائيًّا أيضًا.

ثانيًا: دلالات التوظيف

يكشف لجوء الجماعات الإرهابية إلى استخدام الحيوانات في عملياتها، عن ظاهرة غير تقليدية، ففي الوقت الذي يبدو فيه هذا النمط ابتكارًا غير مألوف، لكنه يطرح في الوقت ذاته دلالات عدة، يمكن إبرازها على النحو التالي:

  1. خلل المقاربات الأمنية: يكشف استخدام الحيوانات المفخخة عن ثغرات في الأنظمة الأمنية التقليدية، نظرًا لغياب بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحيوانات، في محيط العمليات العسكرية. وكنتيجة لذلك ينجح التنظيم في إدخال عنصر غير متوقع إلى ساحة المواجهة، مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية؛ منها ضعف ثقة المجتمع في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، كما يُظهر الأجهزة الأمنية عاجزة عن مواجهة الابتكار الإرهابي، فعلى سبيل المثال أشارت تقارير صحفية إلى أن المحاولات الأفغانية لاستخدام الكلاب المفخخة ضد القوات الأمريكية، على الرغم من عدم تحقيقها نجاحًا كبيرًا[5]، إلا أنها أبرزت عدم استعداد الجنود للتعامل مع السيناريوهات المفاجئة، ما يعني أن الأنظمة الأمنية تحتاج إلى إعادة صياغة استراتيجياتها لتشمل مراقبة البيئة الطبيعية، وليس فقط العناصر البشرية والمادية التقليدية.
  2. الدمج بين الحيوانات والتكنولوجيا المتقدمة: تلجأ بعض التنظيمات إلى تزويد الحيوانات بأجهزة استشعار دقيقة، أومتفجرات صغيرة، يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، لاسيما وأن أنظمة الكشف الحديثة كالكاميرات الحرارية، لا تصمّم لرصد الحيوانات بدقة البشر أو المركبات نفسها، وكنتيجة لذلك يتمكن التنظيم من اختراق مناطق محصنة، من دون إثارة إنذار مبكر.
  3. تعزيز الإرهاب غير التقليدي: واستخدام الحيوانات كناقلات للأمراض أو المواد البيولوجية، يكشف عن توجه نحو الإرهاب غير التقليدي، مما يظهر أن الجماعات تفكِّر في استغلال الطبيعة نفسها كسلاح، وهو ما يفتح المجال أمام تحليل العلاقة بين الأمن البيولوجي والسياسة.
  4. ضعف القدرات العسكرية: على الرغم من أن بعض التحليلات ترى في لجوء الجماعات الإرهابية إلى استخدام الحيوانات في عملياتها التفجيرية نوعًا من الابتكار، إلا أن هذا السلوك قد يكشف عن عجز بنيوي في قدراتها العسكرية، ففي بعض الأحيان؛ يكشف سلوك الجماعات التي تستخدم الحمير أو الكلاب المفخخة عدم قدرتها على منافسة الأنظمة الأمنية، وهو ما يدفعها للبحث عن بدائل بدائية، ما يعني أن الابتكار هنا ليس قوة، بل محاولة يائسة لتعويض النقص، فعلى سبيل المثال؛ نجد أن محاولات استخدام الحمير المفخخة في العراق، كانت نتيجة غياب القدرة على تصنيع سيارات مفخخة، أو الحصول على متفجرات متطورة، مما يعكس ضعفًا أكثر من القوة.

ثالثًا: سيناريوهات محتملة

وفقًا للمعطيات السابقة؛ يمكن استشراف سيناريوهات عدة لمسارات هذه الظاهرة خلال الفترة القادمة، بما يعكس تنوع الأدوات والأساليب التي قد تلجأ إليها التنظيمات الإرهابية، وذلك على النحو التالي:

  1. السيناريو الأول: عمليات مركَّبة: يفترض هذا السيناريو، تطوير النشاط الإرهابي عبر استخدام الحيوانات بجانب الطائرات المسيّرة، بحيث يعمل الحيوان كوسيلة تمويه، بينما تنفذ الطائرة المسيَّرة الضربة الدقيقة، ومن شأن هذا الدمج مضاعفة صعوبة الاكتشاف، لأن الأنظمة الأمنية ستتعامل مع تهديد مزدوج ( طبيعي وتقني) في آن واحد، لذا يفرض هذا السيناريو على الأنظمة الأمنية ضرورة تطوير استراتيجيات مواجهة متعددة المستويات، تشمل مراقبة البيئة الطبيعية والتكنولوجيا في وقت واحد.
  2. السيناريو الثاني: الاستخدام البيولوجي المتطوِّر: يفترض هذا السيناريو، استخدام التنظيمات الإرهابية للحيوانات كناقلات لأمراض أو مواد بيولوجية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية التي تسهل انتشار هذه الأمراض في المجتمعات الزراعية، مما يخلق أزمة صحية واقتصادية في وقت واحد، وبذلك يحقِّق التنظيم هدفَ استهداف الأنظمة السياسية، من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة، فيما يفرض هذا السيناريو على الأنظمة الأمنية والصحية، تطوير منظومات مشتركة لرصد الأمراض ومكافحتها، والنظر إلى الأمن البيولوجي كجزء من الأمن القومي.
  3. السيناريو الثالث: تطوير الأنظمة الأمنية لمواجهة الخطر: يفترض هذا السيناريو إدراك الأنظمة الأمنية خطر استخدام التنظيمات الإرهابية للحيوانات، وهو ما يفرض عليها ضرورة أن تعيد صياغة استراتيجياتها، لتشمل هذا النوع من التهديدات غير التقليدية، وبدء اتجاه الدول نحو دمج الأمن البيولوجي والزراعي ضمن منظومة الأمن القومي، بحيث لا يقتصر الرصد على البشر والمركبات، بل يمتد ليشمل البيئة الطبيعية والحيوانات في محيط العمليات.

رابعًا: توصيات مُلحّة

استنادًا إلى ما سبق؛ يصبح من الضروري صياغة توصيات عملية لمواجهة التهديدات غير التقليدية للجماعات الإرهابية، وذلك كالتالي:

  1. تطوير الأجهزة الأمنية لتقنيات جديدة، تستهدف رصد الأهداف البيولوجية، عبر استخدام أجهزة استشعار حرارية أو كيميائية، قادرة على كشف وجود مواد متفجرة أو بيولوجية على الحيوانات.
  2. إعادة تصميم بروتوكولات التفتيش، لتشمل مراقبة الحيوانات في المناطق الحساسة، خصوصًا في البيئات الريفية والزراعية.
  3. تعزيز الشراكات بين الأجهزة الأمنية والهيئات البيطرية والزراعية، بحيث يصبح هناك نظام إنذار مبكر، لأي أمراض أو أنشطة مشبوهة مرتبطة بالحيوانات.
  4. تطوير حملات توعية مجتمعية في المناطق الريفية والزراعية، لتعريف السكان بالمخاطر المحتملة، والتشجيع على الإبلاغ المبكر عن أي سلوك غير طبيعي للحيوانات.
  5. تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن البيولوجي، من خلال تبادل الخبرات والبيانات، حول أساليب استغلال الحيوانات في الأنشطة الإرهابية.

مما سبق يتّضح أن استغلال الحيوانات والطيور في الأنشطة الإرهابية، ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل يكشف عن قدرة التنظيمات الإرهابية على توظيف البيئة الطبيعية، واستغلال الثغرات الأمنية، لتحقيق أهدافها بطرق غير تقليدية. فخطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها تحوّل عناصر الحياة اليومية إلى أدوات حرب، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا، لذا فإن فهمها وتحليلها صار ضرورة ملحّة لاستشراف مستقبل الإرهاب غير التقليدي، مما يفرض على الدول ضرورة إعادة صياغة استراتيجياتها الأمنية، وتطوير أدوات جديدة لرصد المخاطر غير التقليدية، ووضع سياسات شاملة لمواجهتها.

  1. ISIS uses donkeys to transport gear and explosives north of Muqdadiyah, IRAQNEWS,18/1/2015, available at:

    https://www.iraqinews.com/iraq-war/isis-uses-donkeys-transport-gear-explosives-north-muqdadiyah/

  2. BEASTS OF BURDEN Sick jihadis turn a DONKEY into suicide bomber by strapping IED to it then detonating at checkpoint in Yemen, The sun,12/3/2019, available at:

    https://www.thesun.co.uk/news/8619698/jihadis-suicide-bomber-donkey-yemen/

  3. Introduction | Nuclear Threat Initiative, Report about Bioterrorism, available at:

    https://tutorials.nti.org/biological-weapons-nonproliferation/

  4. الحيوانات المفخخة... أسلوب جديد لـ«داعش» بمناطق القتال في العراق، موقع العربي الجديد، 19 مايو (أيار) 2020، الفيديو مُتاح على الرابط الآتي:

    https://www.alaraby.co.uk/الحيوانات-المفخخة-أسلوب-جديد-لـ"داعش"-بمناطق-القتال-في-العراق-0

  5. Man's best friend: The dogs who sniff out explosives in Kabul, Gulf news, 16/7/2019, available at:

    https://gulfnews.com/world/asia/mans-best-friend-the-dogs-who-sniff-out-explosives-in-kabul-1.1563257882001

...

...

...

...

...

...

...

...

...